في إطار أعمال ألفا كابيتال بارتنرز – محامون مستشارون في مجال المنازعات الإدارية والقرارات العقابية، صدر حكم قضائي في دعوى تولى المكتب التمثيل القانوني فيها، وانتهى إلى إلغاء قرار إداري تضمن توقيع غرامتين ماليتين على أحد الممارسين الصحيين.
أصدرت المحكمة الإدارية الرقمية حكمًا بإلغاء قرار صادر عن لجنة النظر في مخالفات أحكام نظام مزاولة المهن الصحية، تضمن توقيع غرامتين ماليتين على أحد الممارسين الصحيين، على خلفية مخالفات تتعلق بالإعلان عن نفسه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ونشر مقاطع مرتبطة بعمليات جراحية وإجراءات علاجية.
وتتمثل أهمية الحكم في تناوله لجملة من المبادئ المرتبطة بمشروعية القرارات الإدارية العقابية، وشخصية المسؤولية عن المخالفة، وضمانات المواجهة والدفاع، ومدى كفاية الأدلة الإلكترونية في إسناد الفعل المخالف إلى شخص معين.
تمكين المنسوب إليه المخالفة من الاطلاع على الأدلة ومناقشتها وتقديم دفاعه بشأنها يمثل ضمانة جوهرية.
من مبادئ الحكم القضائي
الضمانات الإجرائية في القرارات العقابية
أكد الحكم أن الرقابة القضائية على القرار الإداري ذي الطبيعة العقابية لا تقتصر على التحقق من اختصاص الجهة مصدرة القرار أو صحة تطبيق النص النظامي، وإنما تمتد إلى التحقق من سلامة الإجراءات السابقة على توقيع الجزاء، وثبوت الوقائع، وكفاية الأدلة، واتصال الجزاء بالشخص الذي ثبتت مسؤوليته عن المخالفة.
وفي هذا السياق، رأت المحكمة أن تمكين المنسوب إليه المخالفة من الاطلاع على الأدلة ومناقشتها وتقديم دفاعه بشأنها يمثل ضمانة جوهرية، ولا يكفي مجرد وجود المستندات أو المحاضر في ملف الجهة الإدارية لإثبات سلامة القرار، ما لم يثبت تمكين صاحب الشأن من مواجهة ما نسب إليه قبل توقيع الجزاء.
شخصية المسؤولية عن المخالفات الإلكترونية
تناول الحكم كذلك خصوصية المخالفات المرتبطة بوسائل التواصل الاجتماعي والمحتوى الإلكتروني، مبينًا أن تحديد المسؤول عن الإعلان أو التصوير أو النشر يقتضي التحقق من الأدلة والقرائن الرقمية التي تربط الفعل بشخص معين.
ومن ذلك – بحسب ما أورده الحكم – بحث الحساب المستخدم، ووسيلة الدخول إليه، والجهة التي تديره، وتاريخ النشر، وصاحب السيطرة على المحتوى، وسائر القرائن الرقمية ذات الصلة بنسبة الفعل إلى شخص محدد.
ويكتسب هذا الجانب أهمية خاصة في الحالات التي يكون فيها النشاط أو الحساب الإلكتروني مرتبطًا بمنشأة أو جهة اعتبارية، بينما يُراد إسناد الفعل إلى شخص طبيعي بصفته الشخصية؛ إذ يتعين أن يقوم الجزاء على أساس واضح يثبت المسؤولية الشخصية للمخالف أو قيام مسؤوليته النظامية عن الفعل محل الجزاء.
أثر التأخر في تبليغ القرار
تناول الحكم أثر تأخر الجهة الإدارية في تبليغ القرار العقابي، حيث ثبت للمحكمة أن القرار صدر قبل مدة تقارب أحد عشر شهرًا من تاريخ إبلاغ صاحب الشأن به، دون أن تقدم الجهة الإدارية مسوغًا لهذا التأخير أو ما يثبت تعذر إبلاغه في وقت سابق.
وأكد الحكم أن مجرد التأخر في التبليغ لا يؤدي بالضرورة، وبمفرده، إلى إلغاء كل قرار إداري، وإنما يُنظر إلى أثره في ضوء ظروف كل حالة، ومدى اتصاله بضمانات الدفاع والمواجهة وقدرة صاحب الشأن على الوصول إلى الأدلة ومناقشتها.
وفي الدعوى محل الحكم، رأت المحكمة أن التأخر في التبليغ جاء مقترنًا بغياب ما يثبت تمكين المدعي من مواجهة المخالفات والأدلة قبل صدور القرار، فضلًا عن طبيعة المخالفات محل البحث وارتباطها بأدلة إلكترونية قد تتأثر بمرور الزمن، الأمر الذي جعل الإخلال الإجرائي جوهريًا ومؤثرًا في مشروعية القرار.
تعدد المخالفات وتحديد الأساس لكل جزاء
أبرز الحكم أهمية تحديد الفعل المادي المكون لكل مخالفة، وبيان الدليل الخاص بها، وربطها بالشخص المنسوبة إليه، لا سيما عند فرض أكثر من جزاء.
فإذا تضمنت الواقعة أكثر من مخالفة وأكثر من عقوبة، فإن ذلك يستلزم تحديد الأفعال المادية التي تشكل كل مخالفة، والأدلة التي تستند إليها الجهة في إسنادها، وتمكين صاحب الشأن من الدفاع عن نفسه في مواجهة كل اتهام على نحو مستقل.
منطوق الحكم
انتهت المحكمة إلى إلغاء قرار المخالفة محل الطعن، تأسيسًا على ما ثبت لديها من إخلال جوهري بضمانات المواجهة والدفاع، وعدم ثبوت استيفاء الإجراءات اللازمة قبل توقيع الجزاءات، إلى جانب التأخر غير المبرر في إبلاغ صاحب الشأن بالقرار.
ويبرز الحكم أهمية التزام الجهات الإدارية، عند ممارسة اختصاصها العقابي، بالتثبت من نسبة المخالفة إلى مرتكبها، واستيفاء الضمانات الإجرائية المقررة، وتمكين صاحب الشأن من مواجهة الأدلة والدفاع عن نفسه قبل ترتيب الأثر العقابي.
